ورقة موقف حول مسار العدالة الانتقالية والتعاون مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية

23/4/2026

تؤكد مجموعة روابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني السوريّة الموقعة أدناه بأن العدالة الانتقالية تشكّل ركيزة أساسية لأي مسار جاد نحو بناء سلام واستقرار مستدامَين في سورية. فلا يمكن تصور انتقال سياسي واجتماعي جدّي نحو دولة مواطنة متساوية وحقوق وواجبات وسيادة قانون ما لم يتم معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وضمان حقوق جميع الضحايا دون تمييز في الحقيقة والعدالة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. كما تؤكد أن مسار العدالة الانتقالية يجب أن يعترف بالضحايا كأفراد متساوين/ات بصرف النظر عن الجهات أو الأفراد المسؤولين عن الانتهاكات بحقهم/ن، وأن يرتكز على مشاركتهم/ن الفاعلة في صياغة مستقبلهم/ن.

وإذ تؤمن المجموعة بأن المشاركة الفاعلة للمجتمع المدني وروابط الضحايا لا تقتصر على كونها مساهمة فنّية/ تقنية وحسب، وإنما تمثّل حقاً أصيلاً لهم/ن باعتبارهم/ن أصحاب مصلحة مباشرين، وأطرافاً فاعلة تمتلك الشرعيّة في تصميم مستقبل العدالة في البلاد؛ فقد بادرت المجموعة من رابطة ومنظمّة سوريّة في تنظيم عملية تشاور ومراجعة موسّعة لمسودّة مشروع القانون والسياسات ذات الصلة بالعدالة الانتقالية، قدّمت خبراتها وملاحظاتها إلى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بما يضمن شمولية العملية ويسهم في تطوير إطار قانوني يعكس أفضل الممارسات الدولية في مجال العدالة الانتقالية ويتواءم مع السياق المحلي في سوريا. واستندت هذه الخبرة إلى تراكم سنوات من العمل المشترك في دعم هذا المسار، بما في ذلك الجهود الأخيرة التي بُذلت لبلورة رؤية مشتركة للعدالة الانتقالية في سوريا وإطلاق وثيقة “المبادئ العامة حول العدالة والحقيقة والإنصاف” في سبتمبر/أيلول 2025.

وفيما تؤكد المجموعة أن نجاح مسار العدالة الانتقالية يتطلب انفتاحاً حقيقياً على خبرات المجتمع المدني وروابط الضحايا من قبل هيئات ومؤسسات العدالة الانتقالية، كما يتطلب ضمان مشاركة فعّالة للضحايا وممثليهم/ن في جميع مراحل تصميم وتنفيذ مسارات العدالة الانتقالية؛ فقد أعدّت المجموعة مذكرة تفصيلية تجاوزت السبعين صفحة من الملاحظات القانونية والتقنية والعملياتية لمسودة مشروع القانون، وقدمتها مكتوبة إلى الهيئة. وركزت هذه المذكّرة على عدد من القضايا الأساسية المرتبطة بفعالية وشمولية مسار العدالة الانتقالية، ومن بين أهمّ الأمور التي تم التركيز عليها: 

  1. وجوب أن يكتب القانون بلغة قانونية محايدة دقيقة مضبوطة المصطلحات وأن يجتنب مطلقاً أية لغة سياسية، وأية عبارات وأي مصطلحات تفضي إلى سرديات سياسية تؤثر على الحياد القانوني.
  2. وجوب أن يعتمد القانون تعريفاً موضوعياً وشاملاً للعدالة الانتقالية، يتضمن جميع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بصرف النظر عن الجهة أو الأفراد المسؤولين عنها أو المشتبه فيهم ارتكابها. وضرورة أن يلحظ القانون الطابع المركب للنزاع المسلح في سوريا وتعدد الأطراف المنخرطة فيه، ويكفل معالجة الانتهاكات المرتكبة من قبل تلك الأطراف دون تمييز، وألا يحصر نطاق العدالة الانتقالية بالجرائم “التي تسبب بها نظام الأسد”. 
  3. وجوب النص بوضوح على تعريف شامل للضحايا على نحو يضمن الاعتراف بهم جميعاً؛ ويضمن تمتعهم المتساوي بالحقوق المترتبة على ذلك دون استثناء أو تمييز في الوصول إلى الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، بغضّ النظر عن الجهة أو الأفراد المسؤولين عن الانتهاكات، أو عما إذا كان قد جرى تحديد المسؤولين عن الانتهاكات أم لا.
  4. توسيع النطاق الزمني للقانون ليشمل جميع الجرائم والانتهاكات المرتكبة بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى اعتماد دستور دائم للبلاد، بما يمنع نشوء أي فراغ قانوني في التعامل مع الانتهاكات الجسيمة خلال المرحلة الانتقالية. وأن يشمل أيضاً، من خلال بعض آليات العدالة الانتقالية، ولا سيما الحق في معرفة الحقيقة والاعتراف وتخليد الذكرى الانتهاكات التي تعود جذورها إلى ما قبل 1970، بما يضمن عدم إغفال السياق التاريخي لهذه الانتهاكات ومعالجته.
  5. وجوب تضمين القانون أحكاماً واضحة تكفل المشاركة الفاعلة والهادفة للضحايا وذويهم وروابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في جميع مراحل مسار العدالة الانتقالية، بما في ذلك المشاركة في اتخاذ القرار وتصميم السياسات والآليات ذات الصلة وتنفيذها ومتابعتها ومراقبتها.
  6. وجوب إدراج ضمانات قانونية واضحة تكفل الاستقلال المؤسسي للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية واستقلال أعضائها وعضواتها، وآليات واضحة للتعيين والعزل والاستبدال، وتحديد دقيق لطبيعة العلاقة مع السلطتين التنفيذية والقضائية لضمان التعاون دون التبعية أو التدخل. ووضع قواعد تنظيمية واضحة لتوزيع الاختصاصات بين اللجان والوحدات المختلفة داخل الهيئة، وتحديد خطوط المسؤولية والتنسيق لمنع التداخل والتعارض.
  7. وجوب النص صراحة على الامتثال الكامل للقانون الدولي وسموّه في تفسير وتطبيق أحكام القانون، بما يشمل احترام حقوق الضحايا وضمان استقلال القضاء ومعايير المحاكمة العادلة، وتعريف الجرائم والمسؤولية الجنائية لمرتكبيها وفق القانون الدولي، وحظر عقوبة الإعدام، والاعتراف بجريمة الاختفاء القسري بوصفها جريمة دولية قائمة بذاتها.
  8. وجوب اعتماد مقاربة تراعي النوع الاجتماعي في مختلف مكونات العدالة الانتقالية، بما يشمل ضمان المشاركة والتمثيل المتساوي للنساء والاستجابة الملائمة للأضرار التي لحقت بهن.

في الوقت ذاته، تعرب الروابط والمنظمات الموقعة عن قلقها إزاء معالجة بعض القضايا المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة أو جبر الضرر و المحاسبة أو التسويات السياسية خارج إطار مسار العدالة الانتقالية وعبر آليات منفصلة عنه وفي غياب الوضوح والشفافية والإطار القانوني الناظم لهذه الإجراءات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تسييس العملية برمتها وتعزيز الإفلات من العقاب. 

وتؤكد الروابط والمنظمات في هذا السياق أهمية أن تتم معالجة جميع القضايا المرتبطة بكشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر ضمن إطار متكامل للعدالة الانتقالية، بما يكفل احترام حقوق الضحايا ويعزز مبادئ الشفافية والمساءلة ويسهم في بناء الثقة العامة في مسار العدالة الانتقالية ومؤسساتها ومؤسسات الدولة، ويحقق تكامل الأدوار.  

كما تشدد أن نجاح مسار العدالة الانتقالية يقتضي أن تتبنى هيئة العدالة الانتقالية مقاربة واضحة وصريحة تعتبر المجتمع المدني ومؤسساته شركاء أساسيين في إنجاح هذا المسار، وأن تضمن حماية الحيّز المدني بما يتجاوز نطاق عملياتها الخاصة. وتعرب الروابط والمنظمات الموقعة عن قلقها إزاء التحديات والمخاطر التي تواجه المجتمع المدني نتيجة محاولات من جهات أخرى لتقييد أو تضييق الحيّز المدني بإخضاعه لقيود إدارية أو أمنية أو سياسية مرهقة ومعرقلة، وتؤكد أن سوريا المستقبل يجب أن تمتنع عن أي ممارسات قد تعيد إنتاج أنماط الإقصاء التي مهّدت للانتهاكات المريرة السابقة التي عانى منها السوريين والسوريات، إذ تشكّل هذه الحماية شرطاً بنيوياً لضمان عدم التكرار، مما يجعل من الضروري أن تكون هيئة العدالة الانتقالية الجهة الأولى التي تطالب وتعمل من أجل هذه الحماية، بما في ذلك المطالبة بإصلاح هذه الممارسات وإنهائها كجزء من ضمانات عدم التكرار.

وفي الختام، تؤكد الروابط والمنظمات الموقعة أن العدالة الانتقالية ليست مجرد إطار قانوني أو مسار رسمي حكومي فحسب، بل هي عملية سياسية واجتماعية طويلة الأمد؛ تتطلب إرادة سياسية جادة تسمح بتفاعل مدني سياسي اجتماعي يصب في مصلحة مسار عدالة انتقالية تعالج إرث الانتهاكات وتنصف الضحايا وتعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الثقة والمساءلة والاعتراف المتبادل، وتضع الأسس لمستقبل قائم على العدالة والكرامة وسيادة القانون. 

ومن هذا المنطلق، تؤكد الروابط والمنظمات الموقعة أنها ستواصل أداء دورها في متابعة هذا المسار ومراقبته وتقديم المعارف والخبرات اللازمة لدعم تطوير الإطار القانوني والمؤسسي للعدالة الانتقالية في سوريا بما يعزز فعاليته وشموليته، كما تطالب هيئة العدالة الانتقالية في هذا السياق بالالتزام بما يلي:

  1. اعتماد ونشر استراتيجية شاملة أو خطة عمل ضمن إطار زمني واضح، تحدد الأهداف والأولويات ومراحل التنفيذ ومؤشرات القياس، بما يضمن الشفافية والتشاركية ويتيح تتبع التقدم وتقييم الأداء بصورة منهجية.
  2. إرساء آليات منتظمة وشفافة للتقييم والمراجعة، تشمل نشر تقارير دورية عن مستوى التقدم والتحديات,  بما في ذلك تقريراً يوضح مستوى التقدم والتحديات منذ تأسيس الهيئة وحتى تاريخه، على نحو يتيح المعلومات للرأي العام، ويعزز الشفافية والمساءلة والرقابة.
  3. إرساء آليات منتظمة وشفافة ورسمية للتواصل والتشاور والتنسيق بينها وبين المجتمع المدني وروابط الضحايا، بما يدعم اطلاعها قبل وقت كافٍ على مسار العمل، ومشاركتها في تطوير السياسات والقوانين والإجراءات ذات الصلة.

المنظمات الموقعة:

  1.  اليوم التالي
  2.  ميثاق الحقيقة والعدالة
  3. المركز السوري للإعلام وحرية التعبير
  4. النساء الآن للتنمية 
  5. سين للسلم الأهلي 
  6. البرنامج السوري للتطوير القانوني 
  7. دولتي 
  8. بدايتنا 
  9. سوريون من أجل الحقيقة والعدالة 
  10. عدالتي
  11. مسارات إبدالية
  12. دار عدالة 
  13. حملة من أجل سوريا
  14. الأرشيف السوري
  15. بدائل
  16. رابطة المحامين السوريين الأحرار
  17. العدالة من أجل الحياة
  18. محامون وأطباء من أجل حقوق الإنسان