سوريا: نحو تخفيف القيود المالية والتمويلية المفروضة على المجتمع المدني

يونيو 30, 2020
سوريا: نحو تخفيف القيود المالية والتمويلية المفروضة على المجتمع المدني

عقدت منظمة دولتي ومؤسسة إمباكت ومنظمة نحن موجودون ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ندوة عامة إلكترونية في 25 يونية 2020، على هامش فعاليات مؤتمر بروكسل الرابع، حول العوائق المالية والتمويلية التي تواجه المجتمع المدني السوري. شارك في النقاش مجموعة من منظمات المجتمع المدني السورية وعدد من المنظمات الدولية وممثلو الأمم المتحدة ومؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء. واستند النقاش إلى دراسة وموجز سياسات، أعدهما المنظمون حول تأثير سياسات الجهات المانحة والقيود المالية المفروضة على المجتمع المدني السوري في جميع أنحاء سوريا والدول المجاورة، وسبل تخفيف وطأتها من خلال آليات وخطوات بناءة.

لقد تزايدت التحديات التي تواجه المنظمات السورية وتهدد استمرارية نشاطها وعملها وقدرتها على تعزيز دورها في خدمة المجتمع، لا سيما في المناطق الخاضعة حاليًا لإدارة النظام السوري. وتشمل هذه التحديات المتفاقمة، عقوبات المجتمع الدولي على النظام السوري، والأزمة الاقتصادية العالمية نتيجة جائحة كوفيد- 19، وزيادة وتيرة الاحتجاجات، وعدم الاستقرار في دول الجوار.

خلال الندوة، ركز ممثلو منظمات المجتمع المدني، التي تتخذ من دمشق مقرًا لها، على انعكاسات تلك السياسات على عملهم على الأرض. فبحسب لين[1] – ممثلة منظمة سورية ناشئة تعمل على قضايا العنف المنزلي في أجزاء مختلفة من سوريا–  تقول: “تعاني بيئة العمل في سوريا من ارتفاع حاد في أسعار المعيشة، وانهيار لقيمة الليرة السورية، وإغلاق الحدود، وجائحة كوفيد-19، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الأجور في القطاع العام”. الأمر الذي ينعكس- وفق لين- على عمل المنظمة التي تواجه صعوبات شديدة في الحصول على تمويل. فرغم أن المنظمة تعمل منذ 2015، إلا أنها عاجزة عن التسجيل، وتعتمد على وسيط خارجي لإبرام عقود المشروعات والتمويل، بما يكلف المنظمة الموارد والأموال. وتضيف لين: “لقد أدت القيود المفروضة على السفر نتيجة جائحة كوفيد-19 إلى مزيد من التعقيد في الحصول على التمويل من الخارج، مما أسفر عن تأجيل المشروعات”.

وفي السياق نفسه، يقول رامي[2]، ممثل منظمة أخرى تعمل في دمشق: “التحديات التي يعاني منها المجتمع المدني السوري،  تنبع من الافتقار للحماية، والمخاطر الأمنية، والقوالب النمطية السلبية، وصعوبة الوصول للفرص، بالإضافة إلى محاولات الاستقطاب السياسي التي يتعرض لها المجتمع المدني السوري، والتركيز الدولي على مشروعات التنمية والإغاثة. ويتابع رامي: “النقص في الجهات المانحة يفرض تحديات إضافية، كما أن تغير مواقف الجهات المانحة يتسبب كثيرًا في إرباك أهداف المنظمات وأولوياتها وطبيعة استجابتها للاحتياجات الحقيقية على الأرض”.

 

تواجه المنظمات السورية، في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري، صعوبات مالية متعلقة بالمصارف والسياسات الدولية للتحويلات داخل سوريا. إذ لعبت بعض الدول دورًا سلبيًا بإغلاق حسابات بعض المنظمات في تركيا ولبنان. وعلى الجانب الأخر تنطوي التحويلات من خلال السوق السوداء، في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، على مخاطر أمنية، كما أن إجراءات صرف الأموال مكلفة للغاية.

هذا الوضع ليس بجديد، ولكن هذه التحديات قد تضاعفت بسبب زيادة العقوبات. وفي ذلك يقول رامي: “نحن نهدر الكثير من الوقت لحل مشكلات التحويلات المادية، بما يؤثر على الوقت المخصص لتخطيط وتنفيذ المشروعات وإضفاء الطابع المؤسسي على العمل وتوطينه”.

يعاني المجتمع المدني السوري من الضعف. ومن ثم، فمن المهم أن أبواب التعاون مع الجهات المانحة تظل مفتوحة، من أجل الوصول للحلول الملائمة لكل الأطراف، وبحيث يكون بمقدور المجتمع المدني مواصلة عمله دون عراقيل.

يقول جوزيف ضاهر، ممثل إمباكت ومنظمة نحن موجودون: تحت عنوان: العقوبات المقنعة: المبالغة في الامتثال للعقوبات الدولية وأثرها على عمل المنظمات الإنسانية العاملة في الشأن السوري – التحديات التي تواجهها المنظمات الإنسانية العاملة في الشأن السوري في مجال تحويل الأموال، خلصت دراسة نُشرت نتائجها مؤخرًا إلى أن هذه التحديات تتمحور حول القيود المالية والتحديات المصرفية المفروضة على المنظمات غير الحكومية العاملة في سوريا نتيجة العقوبات، والقيود والقوانين المصرفية والمالية لمكافحة الإرهاب، والقواعد التنظيمية في الدول المضيفة. ويتابع ضاهر: “هذا بالإضافة إلى المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في سوريا الناجمة عن الحرب المدمرة، وسياسات النظام السوري التي كان لها تأثيرًا سلبيًا على المجتمع المدني. فضلاً عن الدور الذي لعبته التداعيات المباشرة وغير المباشرة للعقوبات، وإفراط البنوك في التأثير سلبيًا على العديد من السوريين”. ووفقًا لضاهر: “الحصول على المال داخل سوريا هو الجزء الأسوأ والأصعب والأكثر خطرًا، ومن ثم، تلجأ المنظمات السورية إلى طرق بديلة لتحويل المال داخل سوريا، بما في ذلك نظام الحوالة” (مكاتب صرافة محلية غير رسمية).

تؤدي العقوبات إلى زيادة المشكلات المالية التي تواجهها المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية غير الحكومية في سوريا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى افتقار الوضوح بشأن معنى تلك العقوبات في مختلف البلدان والسياقات، وكذلك سياسة البنوك للتخلص من المخاطر، وتراجع الإرادة لحل أي موضوعات تتعلق بسوريا.

وكجزء من توصيات متنوعة خلصت إليها الدراسة، شدد ضاهر على أهمية مواصلة النقاش مع كل الفاعلين المعنيين، بما في ذلك وكالات الإغاثة، والدول، والجهات الفاعلة المصرفية والمجتمع المدني. كما اقترح إنشاء مؤسسة غير ربحية مستقلة لإدارة التحويلات المالية لسوريا وغيرها من حالات النزاعات، وذلك كحل مستدام لهذه المشاكل البنيوية التي تواجه المنظمات.

من جانبها، ركزت سلمى كحالة، المديرة التنفيذية لمنظمة دولتي، على تأثير سياسات الجهات المانحة على المجتمع المدني داخل سوريا، مقدمة توصيات للجهات المانحة وصناع السياسات حول حل بعض هذه المشكلات البنيوية. بدأت كحالة بالتشديد على: “الحاجة إلى شمولية جهود الضغط من أجل التغيير الديمقراطي ودعم حقوق الإنسان في سوريا، إذ أن أداة واحدة مثل العقوبات أو الضغط الخارجي ينبغي أن تكون جزءًا من استراتيجية أوسع، بما يحد من تأثيرها السلبي على أولئك الذين يحاولون إحداث التغيير من الداخل، مثل النشطاء والمنظمات في سوريا.” كما شددت كحالة على أن العديد من القيود على المجتمع المدني السوري، ليست ناجمة عن العقوبات أو القيود المالية في المقام الأول، وإنما تُعزى بشكل أساسي للنظام السوري، بما في ذلك ترسيخ القمع السياسي، وقصف البنية التحتية المدنية، والتهجير القسري، ونمو التطرف، وهياكل الحكم المحلي الاعتباطية، والقيود المفروضة على حرية الحركة. ومع ذلك، اعترفت كحالة بأن سياسات الجهات المانحة والقيود المالية تضيف مستوى أخر من التحديات أمام المجتمع المدني السوري، تؤدي كثيرًا لنتائج عكسية.

إن سياسات الجهات المانحة وأعاقت عمل منظمات المجتمع المدني والمنظمات المحلية الصغيرة في سوريا، والتي تتحمل عبء العمل اليومي المتمثل في تحدي السلطوية والتطرف وتقديم الخدمات للمجموعات المهمشة وضحايا العنف. إذ أدى الخوف من تهمة “تمويل الإرهاب” إلى سحب الأموال المخصصة لدعم المنظمات. لا سيما أن زيادة التمويل الممنوح لسوريا أدى – في بعض الأحيان- إلى انسحاب الجهات المانحة من تمويل منظمات المجتمع المدني والمنظمات المحلية السورية هروبًا من مشقة السعي لفهم منظمات المجتمع المدني السورية بشكل أفضل والتشبيك معها، وتوجيه تمويلاتها- عوضا عن ذلك- للأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية الأكبر مما أدى إلى هذا “الاعتماد المفرط” كما تشرح سلمى كحالة.

قدمت الندوة أيضًا توصيات إضافية للجهات المانحة بإجراء نقاشات مع المجتمع المدني السوري والمصارف، وذلك لإعادة التفكير في قنوات يمكن من خلالها توصيل المساعدات والتمويل، في محاولة لإيجاد آليات بديلة لتعزيز قدرة منظمات المجتمع المدني السورية للحصول على التمويل.